برلمـــــــــــــــــــــاني

صفحة لنـشر مقـالات النائب رشيدالمدور تتعلق بالعمل البرلماني في المغرب وأسسه الدستـورية والتنظيمية .

مناقشة القانون التنظيمي للمحكمة العليا في مجلس النواب

فريق العدالة والتنمية في مناقشة القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة العليا بمجلس النواب

 

§    الرقابة السياسية على الحكومة في عمومها معوقة بسبب الشروط التعجيزية.

§    توجيه الاتهام إلى وزير أصعب دستوريا من إسقاط حكومة بأكملها.

 

النائب رشيد المدور

 

الرباط في الاثنين 21 يناير 2008

 

إن النص على المسؤولية الجزائية لأعضاء الحكومة  في صلب الوثيقة الدستورية والعمل على إصدار قانون تنظيمي يحدد أعضاء المحكمة العليا وكيفية انتخابهم والمسطرة الواجب إتباعها في محاكمتهم من شأنه تسهيل تأليف هذه المحكمة، وهذا إجراء يحمل في طياته رسائل إيجابية لعموم المواطنين من حيث:

 

أولا، التأكيد على مبدأ المساواة، وأن لا أحد فوق سلطة القانون، ويبعث في نفوسهم الطمأنينة والأمن والآمان من أي تسلط أو شطط أو تعسف في استعمال السلطة؛

من حيث التأكيد على مضي استكمال المنظومة التشريعية لتخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد والمفسدين..

 

ثانيا، إعطاء الحق للمؤسسة التشريعية في توجيه الاتهام لأعضاء الحكومة عما يرتكبونه من جنح وجنايات أثناء ممارستهم لمهامهم هو ضمان وحماية للسلطة القضائية من جهة، وضمان للتواطؤ الذي يمكن أن يقع بين أعضاء مجلس من مجلسي البرلمان مع الحكومة للحيلولة دون توجيه الاتهام إلى عضو من أعضاءها؛ كما أن إشراك القضاة في مجريات التحقيق والمحاكمة هو ضمان وصيانة للحكومة من تعسف خصومها السياسيين.

 

وحتى تصل هذه الرسائل ينبغي التأكيد على أهمية العمل على مراجعة كل المقتضيات التي تجعل من ممارسة هذا الحق أمر صعبا أو مستحيلا، أو تجعل من المحكمة المختصة به محكمة تمييز في حين ينبغي أن تكون محكمة اختصاص ليس إلا، من حيث أن القانون الذي يحاكمون في ضوءه هو القانون الجنائي الذي يطبق على جميع المواطنين...

 

وبهذا الصدد نشير إلى أمور نعتقد أهمية الإشارة إليها في هذا المقام:

 

المراجعة الدستورية لمقتضيين هما:

 

1.    حق البت والموافقة على توجيه الاتهام، الذي جعله المشرع الدستوري قرارا مشتركا بين مجلسي البرلمان، ونحسب أنه كان ينبغي الاكتفاء بموافقة المجلس الذي بادر بتوجيه الاتهام، فإذا كان مجلس النواب مثلا هو من بادر فهو وحده المعني بالموافقة عليه دون مجلس المستشارين والعكس صحيح، حيث إنه وبعد تلك الموافقة يشرع في الإجراء المسطرية المتعلقة بالتحقيق وغيره..   وهذا الأمر ليس جديدا لأن الدستور الأول لعام 1962 على الرغم من أن  البرلمان في إطاره كان يتألف من غرفتين وكانت المحكمة العليا تتألف بالتساوي بين المجلسين إلا أنه قصر حق توجيه الاتهام والبت فيه على مجلس النواب فقط، وليس يخفى أن هذا الأمر فيه من التيسير ما لا يخفى على أحد، وفيه ضمانات أكثر لأصحاب الحقوق.  

2.    أن المشرع الدستوري نص على أنه لا تتم الموافقة على توجيه الاتهام إلا بقرار يتفق عليه المجلسان معا عن طريق التصويت السري بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل مجلس من مجلسي البرلمان، إن أغلبية الثلثين المنصوص عليها كانت مقررة في جميع الدساتير السابقة، لكن عند التمعن فيها يظهر أنها تشوش كثيرا على مبدأ المساواة وتحقيق العدالة، من حيث كونها أغلبية تعجيزية ، وهذا الملحظ يسجل في أمور أخرى ليس المقام مناسبا لبيانها، حيث إن المشرع يُمكِّن البرلمان من كثير من أدوات الرقابة السياسية على الحكومة لكنها في عمومها معوقة بسبب الشروط التعجيزية مما يجعلها في حكم العدم.    وبالرجوع إلى الدستور نلاحظ أنه لم ينص على أغلبية الثلثين لأعضاء المجلسين إلا في حالتين فقط هما: حالة الموافقة على قرار توجيه الاتهام إلى عضو من أعضاء الحكومة، والحالة التي تمنع اللجوء إلى الاستفتاء بشأن نص تشريعي أُقِر أو رُفِض في كل من المجلسين بعد قراءة جديدة بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين  يتألف منهم، فأغلبية الثلثين بالنسبة للمجلسين متفهمة في الحالة الثانية، وذلك لطبيعة الإشكال الذي سيترتب عن الموقف من عرض ذلك النص على الاستفتاء على الرغم من قبوله أو رفضه بتلك الأغلبية الكاسحة، لكنه بالنسبة للحالة الأولى المتعلقة بمجرد توجيه الاتهام إلى عضو من الأعضاء الحكومة، الذي لا يعني بالضرورة إدانته، لا تعتبر أغلبية الثلثين ومن المجلسين متفهمة أو مقبولة، وذلك أنه في الحين الذي نجد فيه المشرع الدستوري في قضايا تتعلق بمنح الثقة للحكومة  أو سحبها منها أو بملتمس الرقابة المؤدي إلى إسقاط الحكومة وتقديم استقالتها استقالة جماعية لم ينص إلا على نصاب الأغلبية المطلقة، فتوجيه اتهام إلى وزير ليس في نظرنا أعظم من إسقاط حكومة بأكملها.. كما أن مبدأ المساواة بين أعضاء البرلمان وأعضاء الحكومة ليست المساواة المطلقة بل فقط المساواة النسبية يقتضي التخفيف من هذا النصاب، حيث إن المشرع فيما يتعلق باسقاط الحصانة على عضو من أعضاء البرلمان لا يشترط إلا الأغلبية النسيبة..

وتأسيسا على هاتين الملاحظتين السابقتين ندعو إلى مراجعة المقتضيات الدستورية المتعلقة بالمحكمة العليا خاصة فيما يتعلق بضرورة موافقة المجلسين على قرار توجيه الاتهام حيث ندعو إلى الاقتصار فقط على موافقة المجلس صاحب المبادرة، ومن جهة ثانية تخفيض نصاب الثلثين إلى الأغلبية المطلقة.

 

صدور القانون عن البرلمان

 

نسجل أن هذا القانون سيصدر عن البرلمان، وبذلك سيكون أول قانون تنظيمي يتعلق بالمحكمة العليا يصدر عن البرلمان حيث إن القوانين التنظيمية الثلاثة السابقة للمحكمة العليا صدرت كلها فيس شكل ظهائر ولم تصدر عن بسبب أنها صدرت في وقت لم يكن البرلمان قد نُصِّب بعد.

 

تعاطي  الحكومة

 

فيما يتعلق بالحكومة وكيفية تعاطيها مع مشروع القانون التنظيمي للمحكمة العليا، نسجل:

أن السمة العامة لتعاطي الحكومة معه هي  التلكؤ والتردد والتأخير غير المبرر، وقد تعجبون أيها السادة إذا أخبرتكم بأن هذا المشروع قانون التنظيمي للمحكمة العليا قد أشرفت عليه ثلاثة حكومات متعاقبة أولا في عهد الوزير الأول السيد عبد الرحمان اليوسفي وثانيا في عهد الوزير الأول السيد إدريس جطو وثالثا في عهد الوزير الأول   السيد عباس الفاسي، وأن مسطرة المصادقة عليه امتدت على ثلاثة فترات تشريعية فترة 97 -2002 وفترة 2002-2007 وفترة 2007- 2012 ، إن هذا التأخير لم يكن له مبرر معقول مما يجعل تلك الرسائل الإيجابية المتوخاة من صدوره موضع شك.

ففي المرة الأولى كانت مباشرة تقديمه إلى اللجنة المختصة متأخرة كثيرا، حيث لم يتم ذلك إلا في السنة الأخيرة من عمر فترة الانتداب البرلماني، وهي السنة نفسها التي تعتبر السنة الأخيرة من مدة انتداب الحكومة السياسي؛ وذلك بسبب أن الحكومة مانعت في مباشرة تقديمه أمام لجنة العدل والتشريع بسبب الخلاف مع مكتب مجلس النواب حول مشروع قانون الحصانة البرلمانية، مما يدل على أن الإرادة السياسية في صدور هذا القانون التنظيمي لم تكن بالقوة والعزم اللذين تصورناهما بمجرد إحالته على البرلمان؛ ثم إن ربط مصيره بقانون آخر، إما أن يصدرا معا أو لا يصدر أي منهما، هو ربط سياسي لا مبرر له ولا تفسير له إلا التملص من الالتزام السياسي السابق، ومحاولة من أعضاء الحكومة للحيلولة دون تمكين البرلمان من الأداة القانونية لخضوعهم للقانون في إطار من المساواة مع جميع المواطنين. وليس أدل على ذلك من كون الفترة التشريعية التي أحالت فيها الحكومة مشروع القانون التنظيمي أول مرة انتهت دون أن يتمكن البرلمان من المصادقة عليه.

وفي المرة الثانية، لم تعمل الحكومة على إحالته إلا في تاريخ 10/06/2003 وقد استغرق البرلمان في دراسته بمجلسيه حوالي السنة، لكنه بعد أحيل على المجلس الدستوري قضى بعدم دستورية المادة 11 منه وقد كان ذلك بتاريخ11/08/2004.

وبالرجوع إلى سبب قرار المجلس الدستوري ذهب البعض إلى أن عبارة (باستثناء رئيسيهما) الواردة في المادة 11 من القانون التنظيمي للمحكمة العليا رقم 63.00 التي تستثني كل من رئيسي المحكمة العليا ولجنة التحقيق من مسطرة التجريح، والتي قضى المجلس بعدم دستوريتها، عبارة مدسوسة في النص، الغرض منها تعطيل إصدار نص تشريعي تدرك الحكومة قبل غيرها أن المجلس الدستوري، بسبب الإحالة الوجوبية والإلزامية للقوانين التنظيمية، سيقضى لا محالة بأنها عبارة غير دستورية. وهذه تقنية من التقنيات التشريعية التي تستعملها الحكومات لتعطيل إصدار قانون ما.

هذا التفسير له ما يبرره بدليل أن هذه العبارة كانت محل تساؤلات النواب، والحكومة دافعت عنها وعن الحاجة إلى إبقائها في النص، ثم من جهة أخرى فإنه بالرجوع إلى القوانين التنظيمية للمحكمة العليا الثلاثة السابقة وبالمقارنة لا نجد لهذا الاستثناء أثر يذكر، حيث إنه لم تكن الحاجة إليه.

 ومنذ ذلك تاريخ لم تعمل الحكومة على ملائمة مواده وفقا لقرار المجلس الدستوري إلا في نهاية الفترة التشريعية السابقة وهكذا انتهت ولم يصدر هذا القانون.

منذ صدور قرار المجلس الدستوري لم تتدارس الحكومة أمر وضع مشروع قانون تنظيمي جديد يأخذ بالاعتبار قرار المجلس الدستوري إلا في اجتماعها المنعقد بتاريخ 14 يونيو 2007 على الرغم من أن قرار المجلس الدستوري صدر بتاريخ 11 غشت 2004 أي بعد مرور ثلاث سنوات، وهذا التأخير لا مبرر له، لأن النصوص القانونية المماثلة موجودة من قبل، وما تتطلبه الملائمة مع قرار المجلس الدستوري لا يتطلب كل هذا الوقت الطويل لأنه يتعلق فقط بحذف الاستثناء من المادة 11 وملائمة المادتين 12 و14 وإضافة مادة أو مادتين لمقتضيات من شأنها ضمان استمرارية المحكمة العليا في أداء هامها في حالة قبول تجريح الرئيسين المعنيين بالاستثناء المشار إليه في المادة 11؛ ثم إن محاولة الحكومة تدارك التأخر قد أتى في نهاية مدة الانتداب البرلماني لمجلس النواب، وهو وقت ميت لن يسمح بقيام المحكمة العليا حتى في حالة المصادقة عليه.

وفي المرة الثالثة ننوه بعمل الحكومة  على الإسراع بإعادة إحالته على البرلمان بعد ملائمته مع قرار المجلس الدستوري.

 

رشيد المدور

 

 موضوع  له صلة: نظرات في المسار التشريعي للقانون التنظيمي للمحكمة العليا بالمغرب


أضف تعليقا

سعد بنجلون, لاجيروند البيضاء من بريطانيا العظمى المملكة المتحدة
30 مارس, 2008 02:21 ص
الأخ رشيد,
عفوا عن كتابة هدا التدخل هنا لكن يبدو ان مراسلة المدونين تنحصر على المنخرطين في جيران.

مؤخرا مر موسم علي بنحمدوش بنواحي مكناس, و الساهرون على أستمرارية التخلف و الجهل من حفدة هؤلاء الصالحين يروجون لطقوسهم بالادعاء ان الملك يرسل قربانا كل سنة للولي الصالح !!! و يختم الموسم بدبح هدية الملك. أليس هدا مسا بشخص الملك ؟ اليس على الحكومة ان تفند هده الادعاءات و تحاكم من يربط رمز الدولة و التنمية بطقوس التخلف و الشعودة ؟؟

لولا الدراسة بالخارج لتشرفت بطرق بابك المفتوح لمن تمثلون في البرلمان, مع كل تقديري لفريقكم المحترم.


تقرير لجريدة المساء
http://70.84.17.149/?artid=7768
http://70.84.17.149/?artid=7760