نص ورقة رشيد المدورفي اللقاء العلمي الأول حول التشريع ودولة القانون في المغرب الذي نظمه فريق البحث والدراسة حول البرلمان بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية /أكدال بالرباط بتاريخ 29 نونبر 2007.
[1]
تقديم
لا شك أن لوظيفة التشريع الأولوية ضمن وظائف البرلمان، ولأجل ذلك يتسمى البرلمان بالمؤسسة التشريعية.
ويمكن تحديد صلاحيات البرلمان في ممارسة السلطة التشريعية حسب درجة ممارستها في ثلاث مجالات أساسية هي:
1. إصدار القوانين بالتصويت (ف.45 من الدستور) بعد النظر فيها ودراستها (ف.54 من الدستور) سواء كان مصدرها الحكومة أو أعضاء البرلمان.
2. حق اقتراح تعديل مشاريع ومقترحات القوانين المعروضة على البرلمان. (ف.57 من الدستور).
3. حق التقدم باقتراح القوانين (ف.52 من الدستور).
وهكذا نستطيع أن نميز بين مصدرين اثنين للمبادرة بالنصوص التشريعية التي يصادق عليها البرلمان أو يقترح تعديلها، فإما أن تكون ذات مصدر حكومي وتسمى مشاريع قوانين أو تكون بمبادرة من أعضاء مجلس النواب أو أعضاء مجلس المستشارين وتسمى مقترحات قوانين.
وفيما يلي ثلاثة جداول إحصائية لحصيلة البرلمان التشريعية من النصوص ذات المصدر الحكومي وذات المصدر البرلماني لأربع فترات تشريعية متتالية، سواء على مستوى عدد المبادرات التي سجلت لدى مكتبي مجلسي البرلمان (الجدول رقم:1) أو على مستوى عدد النصوص التشريعية التي صادق عليها البرلمان (الجدول رقم:2).
أولا، على مستوى حجم وعدد المبادرات التي أحيلت على البرلمان:
|
الفترة التشريعية |
القوانين ذات المصدر الحكومي المسجلة |
القوانين ذات المصدر البرلماني المسجلة |
|
الرابعة: 1984 -1992 |
202 |
131 |
|
الخامسة: 1993 -1997 |
147 |
110 |
|
السادسة: 1997 -2002 |
185 |
143 |
|
السابعة: 2002 -2007 |
228 |
187 |
|
المجموع |
762 |
440 |
ثانيا، على مستوى عدد المبادرات التي صادق عليها البرلمان:
|
الفترة التشريعية |
القوانين ذات المصدر الحكومي المصادق عليها |
القوانين ذات المصدر البرلماني المصادق عليها |
|
الرابعة: 1984 -1992 |
199 |
15 |
|
الخامسة: 1993 -1997 |
139 |
14 |
|
السادسة: 1997 -2002 |
176 |
20 |
|
السابعة: 2002 -2007 |
215 |
10 |
|
المجموع |
729 |
59 |
الجدول الجامع:
|
الفترة التشريعية |
مشاريع القوانين ذات المصدر الحكومي |
مقترحات القوانين ذات المصدر البرلماني | ||
|
|
المسجلة |
المصادق عليها |
المسجلة |
المصادق عليها |
|
الرابعة: 1984 -1992 |
202 |
199 |
131 |
15 |
|
الخامسة: 1993 -1997 |
147 |
139 |
110 |
14 |
|
السادسة: 1997 -2002 |
185 |
176 |
143 |
20 |
|
السابعة: 2002 -2007 |
228 |
215 |
187 |
10 |
|
المجموع |
762 |
729 |
440 |
59 |
إن الملاحظة الأساسية التي تنطق بها هذه الأرقام والإحصائيات هي تفوق المبادرة التشريعية الحكومية على المبادرة التشريعية البرلمانية سواء من حيث عدد المبادرات أو من حيث التي تصل إلى مرحلة المصادقة النهائية عليها من لدن البرلمان.
وتأسيسا عليه، فإن هذه الورقة تروم البحث في أسباب ومبررات ضعف النصوص التشريعية ذات المصدر البرلماني سواء من حيث حجم المبادرات أو من حيث العدد الذي يصادق عليه البرلمان منها.. خاصة وأن بعض من تلك المقترحات على الرغم من استيفائها للشروط القانونية المؤطرة في الدستور أو في النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان، ومنها من يلح واضعوها على برمجتها وما فتئوا يلحون في ذلك، ومنها ما ورد بشأنه تجديد طلب تحديد موعد للشروع في دراسته، ومنها ما لم يطلب أصحابه ذلك، ومنها ما تم تقديمه في اللجان المختصة، وقد تتوافق الحكومة مع اللجان بشأن بعضها على تأجيله بهدف تطويره في مشروع قانون شامل تقدمه الحكومة لاحقا، ومنها ما بتت اللجان في شأنه بالرفض، لكنه لم يبرمج بعد في الجلسة العمومية، بل منها ما هو في وضعية أكثر شذوذا، فبعد أن جاوز مرحلة القراءة الأولى، وفي الجلسة العامة عند القراءة الثانية تم إرجاعه إلى اللجنة المعنية، ولا زال في وضعية معلقة..
إنّ هذه الوضعية المقلقة أثارت، وما تزال، الكثير من التساؤلات حول من المسؤول عن تأخير وتعطيل مسطرة المصادقة على مقترحات القوانين؛ هل هيئة المكتب؟ أم رؤساء اللجان الدائمة ومكاتبها؟ أم البرلمانيون أنفسهم؟ وهل للحكومة دور في ذلك؟ وإذا كان، فما هي حدوده؟
وفي مطلع هذه الفترة التشريعية السابعة (2007-2012) كان الخطاب الملكي الافتتاحي واضحا في أنه يريد برلمانا يمارس بنجاعة، كافة اختصاصاته التشريعية والرقابية والتمثيلية، ويشكل قدوة للمؤسسات الدستورية، في نهوضها بصلاحياتها كاملة، فلا شيء يحول دون ذلك، إلا في نطاق الدستور، وفصل السلط وتوازنها وتعاونها،،، وقال أيضا بأن الحكومة يجب عليها الإصغاء لأفكار المعارضة، متى كانت بناءة، ساعية في سبيل صالح الأمة، شأنها في ذلك شأن الأغلبية؛ إن هذا الإعلان الملكي يشير من طرف خفي إلى هذه الاشكالية المتعلقة بضعف المبادرة التشريعية البرلمانية..
ثم جاء التصريح الحكومي بمناسبة تقديم الخطوط العريضة للبرنامج الذي يعتزم الوزير الأول عباس الفاسي تطبيقه متضمنا لفقرة تتضمن التزاما واضحا بأن الحكومة ستولي عناية خاصة لمقترحات القوانين المقدمة من أعضاء البرلمان حتى تقوم هذه المؤسسة بالدور المنوط بها، وكأنه اعتراف على أن تعثر هذه المبادرات التشريعية في جزء مهم منه يعود إليها، وبناءا عليه تلتزم بإزاحة كل الحواجز التي تحول دون بلوغ مقترحات القوانين مداها في المسطرة التشريعية.
ولبيان طبيعة هذه الاشكالية والأسباب الموجبة لها وتحديد المسؤوليات، سنعالج هذا الموضوع من خلال العناوين التالية:
1. تقديم
2. مظاهر المساواة بين مشاريع ومقترحات القوانين في الدستور.
3. امتيازات المبادرة التشريعية الحكومية في الدستور.
4. حق البرلمان في الدفاع عن مبادراته التشريعية في الدستور.
5. واقعية النظام الداخلي لمجلس النواب.
6. الخاتمة.
[2]
مظاهر المساواة في الدستور
بين مشاريع ومقترحات القوانين
وضع المُشرِّع الدستوري المبادرات التشريعية سواء التي تتقدم بها الحكومة أو تلك التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، على قدم المساواة، فقد نصّ -في الفصل 45 من الدستور- على أن القانون يصدر عن البرلمان بالتصويت، هكذا دون تمييز بين المشاريع والمقترحات؛ وعبر آلية الاستقراء لِما ورد في الدستور بشأنهما، نسجل مظاهر هذه المساواة بينهما كما يلي:
1. حقُّ المبادرة
خوَّل المُشرِّع الدستوري حق المبادرة التشريعية للحكومة ولأعضاء البرلمان سواء بسواء، حيث نص على أن "لِلوزير الأول ولأعضاء البرلمان على السواء حق التقدم باقتراح القوانين"، (ف. 52).
2. الوضع بمكتب أحد مجلسي البرلمان
إنّ مشاريع ومقترحات القوانين توضع جميعها أول مرة بمكتب أحد مجلسي البرلمان، غير أنه بالنسبة لمشاريع القوانين التي تتقدم بها الحكومة، فإنها توضع على الخيار "بمكتب أحد مجلسي البرلمان" وفقا للفصل 52 من الدستور، أما بالنسبة لمقترحات القوانين، فإنها توضع بحسب الواضع إما بمكتب مجلس النواب أو بمكتب مجلس المستشارين، وذلك وفقا للمادة 93 من النظام الداخلي لمجلس النواب، والمادة 85 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين.
3. إحالتهما على اللجان
كما أن المُشرِّع الدستوري ساوى بينهما، في أنهما يحالان معا على اللجان المختصة للنظر فيهما، فقد نصَّ المشرع في الفصل 54 من الدستور على أن "تحال المشاريع والاقتراحات لأجل النظر فيها على لجان يستمر عملها خلال الفترات الفاصلة بين الدورات".
4. التداول فيهما من لدن المجلسين
وساوى بينهما أيضا، في أنه "يتداول مجلسا البرلمان بالتتابع في كل مشروع أو اقتراح قانون بغية التوصل إلى اتفاقهما على نص واحد" طبقا لمقتضيات الفصل 58 من الدستور.
بناء عليه، نؤكد أنه على هذا المستوى من المسطرة لا فرق بين مشاريع ومقترحات القوانين، بدءاً بحق المبادرة، ومرورا بالوضع لدى مكتب المجلس، والإحالة على اللجان المختصة، وانتهاء بالدراسة والتصويت في الجلسة العامة.
[3]
امتيازات المبادرة التشريعية الحكومية
في الدستور
يتمثل مجال تدخل الحكومة في مسطرة البت في مقترحات القوانين، التي يبادر بها البرلمانيون، في أمور محددة معدودة، لا يمكن التوسع فيها أو الإضافة إليها، هي:
· حقّ الأسبقية والترتيب؛
· حقّ رفض المقترحات التي تخل بالتوازن المالي؛
· حقّ الدفع بعدم قبول المقترحات التي لا تدخل في مجال القانون.
1. حقّ الأسبقية والترتيب
خوّل المُشرِّع الدستوري للحكومة حقّ التدخل في جدول أعمال كل من مجلسي البرلمان بالأسبقية وبالترتيب الذي تحدده لمشاريع القوانين التي تقدمها واقتراحات القوانين التي تقبلها، وفقا للفصل56 من الدستور، وهو تدخل لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، حيث إن الإنتاج التشريعي للحكومة ليس بالكثرة التي يشغل جميع الجلسات العامة للمجلسين معا.
2. حقّ رفض المقترحات التي تخل بالتوازن المالي
بقوة القانون فإن "المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان تُرفض إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة للقانون المالي إما إلى تخفيض الموارد العمومية وإما إلى إحداث تكليف عمومي أو الزيادة في تكليف موجود" طبقا لمقتضيات الفصل 51 من الدستور، وقد أكد هذا الحق وبيَّنه القانون التنظيمي للمالية في المادة 40 منه، فنصَّ على أنّه يتم بقوة القانون حذف أو رفض المواد الإضافية أو التعديلات الرامية إلى ما سبق النص عليه في الفصل 51 من الدستور.
3. حقّ الدفع بعدم قبول المقترحات التي لا تدخل في مجال القانون
خوَّل المُشرِّع الدستوري "للحكومة حقّ الدفع بعدم القبول كل اقتراح قانون لا يدخل في اختصاص السلطة التشريعية" وذلك وفقا للفصل 53 من الدستور، حيث إن كل مقترح قانون تقدم به برلمانيون ورأت الحكومة أنه يدخل في اختصاصها التنظيمي يمكن أن تدفع بعدم القبول، فإذا تم التوافق معها حول اعتراضها سحب المقترح، وإذا لم يتوصل إلى اتفاق بشأنه تتوقف المناقشة، ويلجأ إلى المجلس الدستوري للفصل فيه.
[4]
حق البرلمان في الدفاع
عن مبادراته التشريعية في الدستور
وفي مقابل حقي الرفض والقبول التي للحكومة تجاه مقترحات القوانين التي يبادر بها البرلمانيون، فإن المُشرِّع الدستوري خوَّل لكلٍ من مجلسي البرلمان، حقّ الطعن لدى المجلس الدستوري في كُلِّ دفع تقدمت به الحكومة بعدم قبول مقترح قانون، بحجة أنه لا يدخل في اختصاص السلطة التشريعية، حيث نصّ في الفقرة الثانية من الفصل 53 من الدستور على أنّ "كل خلاف في هذا الشأن يفصل فيه المجلس الدستوري في ظرف ثلاثة أيام بطلب من أحد مجلسي البرلمان أو من الحكومة".
[5]
واقعية النظام الداخلي لمجلس النواب
وضع مجلس النواب في المادة 95 من نظامه الداخلي ثلاث مقتضيات توضح طبيعة العلاقة الممكنة بين الحكومة والمجلس فيما يتعلق بمسطرة مقترحات القوانين، رفعا لكل لبس محتمل حولها، كما يلي:
1. يحيل رئيس المجلس مقترحات القوانين المقدمة من لدن النواب إلى الحكومة ثلاثين يوما قبل إحالتها على اللجان الدائمة المختصة؛
2. إذا انصرم الأجل أمكن للجنة الدائمة المختصة برمجة دراستها؛
3. يحيط رئيس المجلس الحكومة علما بتاريخ وساعة المناقشة في اللجنة.
[6]
خاتمة
يتبين مما سبق، أن للبرلمان، من الناحية الدستورية، فرصا كثيرة لتسهيل المصادقة على مقترحات القوانين التي يبادر بها أعضاؤه، ومن تم فإن مسؤولية تأخير برمجتها والبت فيها يتحملها بالأساس مكتبا المجلسين ورؤساء اللجان الدائمة ومكاتبها وأصحاب المقترحات الذين لا يلحُّون في طلب ذلك؛ أمّا الحكومة فمجال تدخلها في تأخير البت بشأنها محدود جدا، ويمكن تجاوزه، إذا كانت هناك إرادة من لدن المسؤولين عن تدبير وتسيير شؤون مجلسي البرلمان.
رشيد المدور
عضو مجلس النواب









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية